القرطبي
12
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ووحد الشديد على لفظ الحرس ، وهو كما يقال : السلف الصالح بمعنى الصالحين ، وجمع السلف أسلاف ( 1 ) وجمع الحرس أحراس ، قال : ( 2 ) ( تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ) ويجوز أن يكون " حرسا " مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة . قوله تعالى : ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) " منها " أي من السماء ، و " مقاعد " : مواضع يقعد في مثلها لاستماع الاخبار من السماء ، يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه ، فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشهب المحرقة ، فقالت الجن حينئذ : " فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " يعني بالشهاب : الكوكب المحرق ، وقد تقدم بيان ذلك . ويقال : لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو آية من آياته . واختلف السلف هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث ، أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الكلبي وقال ( 3 ) قوم : لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه : خمسمائة عام ، وإنما كان من أجل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها ، وحرست بالملائكة والشهب . قلت : ورواه عطية العوفي عن ابن عباس ، ذكره البيهقي . وقال عبد الله بن عمر : لما كان اليوم الذي نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين ، ورموا بالشهب . وقال عبد الملك بن سابور : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ، ورميت الشياطين بالشهب ،
--> ( 1 ) كذا في ا ، ط ، و ، ح : في موضع أو . ( 2 ) هو امرؤ القيس . ويروى : * تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * وتمام البيت وهو من معلقته : * على حراصا لو يشرون مقتلي * ( 3 ) الفعل ( قال ) زائد في ط . والصواب إسقاطه كما في ا ، ح ، و .